آب 06, 2017

أوروبا تخرج من العباءة الأميركية

أ. د.موسى شتيوي

 

لقد خرجت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، قائدة للمعسكر الغربي الرأسمالي بمواجهة المعسكر الاشتراكي . و كان هدف الحلف مواجهة الخطر الشيوعي حيث دعم  المعسكر الغربي أوروبا إقتصادياً بعد الحرب وخاصة إعادة الإعمار.

المعادلة التي حكمت علاقة التحالف  بين أوروبا والولايات المتحدة تقوم على توفير الأمن والحماية لأوروبا مقابل مساهمة أوروبا بدعم السياسات الأميركية بشكل عام.وبالرغم من بعض الاختلافات في الرؤية بين بعض الدول الأوروبية وخاصة فرنسا حيال بعض الملفات ، إلا أن الحلف كان متماسكاً طيلة الفترة التي سبقت انهيار المعسكر الاشتراكي والفترة التي تلت ذلك المباشرة، ولم تستطع أوروبا أن تأخذ مساراً سياسياً مستقلاً عن الولايات المتحدة حيال العديد من الملفات بالرغم من التباين بين رؤيتها و رؤية الولايات المتحدة واستمرت بدور الشريك التابع للولايات المتحدة .

بعد مرور ربع قرن على انهيار حلف وارسو وتوسع الاتحاد الأوروبي بضم دول أوروبا الشرقية والناتو أيضاً ، يبدو ان هذه العلاقة التاريخية بدأت تتصدع ولم يعد التحالف الأميركي الأوروبي بنفس القوة التي كانت عليها طيل تلك الفترة.هناك أسباباً عديدة لهذا التصدع من أهمها :

أولاً : زوال الخطر الشيوعي بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي وكذلك حلف وارسو و يعني ذلك غياب  " العدو" ويعمل على تماسك هذا التحالف .بالتأكيد فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا زالت تنظر لروسيا كدولة  معادية للغرب ، لكن التماسك حول هذا الموقف حيال روسيا يضعفه غياب أيديولوجية روسية معارضة للغرب (مواقف روسيا تنطلق من منظور قومي وليس أيدولوجي) وتشابك المصالح الاقتصادية لبعض الدول وخاصة ألمانيا وتزويد لأوروبا بالغاز الروسي ساهما بإضعاف الموقف المعادي لروسيا على الأقل أوروبياً.

ثانياً: أن الولايات المتحدة بدأت تطور استراتيجيتها الأمنية والاقتصادية استناداً لمصالحها القومية أكثر من مصالح المعسكر الغربي إذا جاز التعبير لغياب الصراع الأيديولوجي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ويتضح ذلك من العلاقات الوثيقة إقتصادياً مع الصين على سبيل المثال.وكذلك، تراجعت الأهمية النسبية لمنطقة الشرق الأوسط حسب  عقيدة أوباما وبدأت الولايات المتحدة تتجه نحو شرق آسيا سواء كان ذلك مرتبطاً بالمصالح الاقتصادية الأميركية أو بسبب تنامي القوة العسكرية والسياسية للصين على المستوى الإقليمي والدولي . وبالرغم من تنامي المصالح الأوروبية في آسيا ، إلا أن الشرق الأوسط لازال يشكل على المستوى الاستراتيجي أهمية كبيرة لأوروبا ليس اقتصادياً فحسب وإنما سياسياً وخاصة بعد مرحلة الربيع العربي .

ثالثاً: لقد بات من الواضح أيضاً أن العالم لا يمكن أن يستمر تحت هيمنة الولايات المتحدة كقطب واحد  من الناحية الاقتصادية وذلك لصعود الاقتصاديات الآسيوية وأمريكا اللاتينية ولا من الناحية السياسية وخاصة بعد عودة روسيا بقوة للساحة الدولية بعد أن استعادت عافيتها بعد الانهيار السوفيتي ، ويتجلى ذلك بشكل واضح الدور الروسي في سوريا بعد الفراغ الذي أحدثه غياب الدورالأميركي  الفاعل في سوريا في فترة حكم أوباما .وبالتالي ، فإن النظام العالمي يشهد حالة من إعادة التموضع تلعب به دول  محددة دوراً فاعلاً كالصين والهند والبرازيل.

هناك تطورات على درجة كبيرة من الأهمية في زيادة الفجوة بين أوروبا وأمريكا لا يمكن تجاهلهما. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي كان بمثابة زلزال أدى لوضع علامات استفهام حول إمكانية استمرار تماسك الاتحاد الأوروبي لأنه عزز النزعة القومية والانفصالية لبعض القوى اليمينية وخاصة في فرنسا لأن تحذو حذوها.

أما بالنسبة لدونالد ترامب ، فمن الواضح أنه يتبع خطاً سياسياً قومياً وشعبوياً تنبأ بانكفاء الى الداخل الأميركي. علاوة على ذلك ،فإنه لم يأت من رحم المؤسسة الحزبية الأميركية الملتزمة بالمبادئ العالمية للديمقراطية والقيم الأميركية التي ميزت النظام السياسي الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية التي لا زالت تتمسك بها أوروبا. لا يقل أهمية عن ذلك النظرة الفوقية التي يتحلى بها ترامب حيال أوروبا وحلف الناتو وانتقاداته الشديدة لألمانيا ولحلف الناتو ومحاولته فرض وجهة نظره على أوروبا.

كل العوامل والتطورات السابقة ، وضعت أوروبا أمام خيار الاستمرار بدور التابع لأمريكا أو خيار استعادة استقلالها عنن السياسة الاميركية . ويبدو أن الدول الاوروبية قد قررت الانتفاض على السياسة الأميركية وتسير الآن بوضوح وخطى ثابتة لتكون قوة مستقلة واستعادة دورها ككتلة واحدة لتشكل قطباً عالمياً أساسياً يستند على خصوصية أوروبا وقوتها الاقتصادية وإرثها السياسي. لقد كان نجاح ماكرون رئيساً لفرنسا نقطة تحول نحو هذا الاتجاه لأنه وضع حد للتيارات ذات النزعة الاقتصادية عن أوروبا وتلعب ألمانيا العملاق الاقتصادي دور العراب، بالاضافة لفرنسا في عملية التحول التي بدأت معالمها بالظهور بأوروبا. فكما خرجت بريطانيا من العباءة الأوروبية فإن أوروبا في طريق الخروج من العباءة الأميركية أو الأطلسية.

 

مدير مركز الدراسات الاستراتيجية /الجامعة الاردنية